مجمع البحوث الاسلامية

267

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

البروسويّ : أي العاملين للحسنات ، والمحسن لا يقع مطلقا إلّا مدحا للمؤمنين . وفي تخصيص كتابه : بالهدى والرّحمة للمحسنين ، دليل على أنّه ليس يهدي غيرهم . وفي « التّأويلات » : المحسن : من يعتصم بحبل القرآن متوجّها إلى اللّه ، ولذا فسّر النّبيّ عليه السّلام « الإحسان » حين سأله جبريل ما الإحسان ؟ قال : « أن تعبد اللّه كأنّك تراه » فمن يكون بهذا الوصف يكون متوجّها إليه حتّى يراه ، ولا بدّ للمتوجّه إليه أن يعتصم بحبله وإلّا فهو منزّه عن الجهات ، فلا يتوجّه إليه لجهة من الجهات . [ ثمّ ذكر نحو أبي السّعود ] ( 7 : 63 ) ابن عاشور : ومعنى ( المحسنين ) : الفاعلون للحسنات ، وأعلاها الإيمان وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة ، ولذلك خصّت هذه الثّلاث بالذّكر بعد إطلاق ( المحسنين ) لأنّها أفضل الحسنات ، وإن كان المحسنون يأتون بها وبغيرها . ( 21 : 89 ) عبد الكريم الخطيب : وخصّ المحسنون بالتّزوّد بما في الكتاب من هدى ورحمة ، لأنّهم هم الّذين يردون موارده ، وينتفعون بما يقدرون على تحصيله وحمله من هداه ورحمته . أمّا غير المحسنين ، وهم الضّالّون والمكذّبون ، فإنّهم لن ينالوا شيئا من هدى هذا الكتاب ورحمته ، شأن الكتاب في هذا شأن كلّ خير بين أيدي النّاس ، لا يناله إلّا العاملون ، الّذين يسعون إليه ، وينقّبون عنه ، ويأخذون الوسائل الّتي تمكّنهم منه . فما أكثر الخير المخبوء في كيان الطّبيعة ، وما أقلّ الّذين طرقوا أبوابها ، وفتحوا مغالقها ، وعرفوا أسرارها . والمحسنون ، هم أهل الإحسان في القول والعمل ، وهو إحسان مطلق ، يتناول كلّ شيء . فكلّ شيء مهيّأ لأن يلبس ثوبا من القبح أو الحسن . والإنسان هو الّذي ينسج له الثّوب الّذي يلبسه إيّاه . وهكذا يتنازع النّاس هذين الوجهين من كلّ شيء ، فيذهب بعضهم بالحسن الطّيّب من الأشياء ، على حين يذهب آخرون بالقبيح الرّذل منها . والحسن هو الحسن ، في القول والعمل ، وفي أمور الدّنيا والدّين جميعا ، ولهذا كانت دعوة الإسلام إلى الإحسان دعوة مطلقة ، غير محصورة في أمر ، أو جملة أمور ، بل إنّها دعوة تتناول الأمور كلّها ، وتشمل ظاهر الإنسان وباطنه جميعا ، وفي هذا يقول اللّه تعالى : وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ البقرة : 195 . ومن الإحسان : التّقوى ، وهي تجنّب الإساءة ؛ وذلك أنّ من تجنّب السّيّئ من الأمور ، فإنّه يكون على إحدى منزلتين : إمّا أن يفعل الحسن ، المقابل لهذا السّيّئ الّذي تجنّبه ، وهذا هو الأحمد ، والأحسن . وإمّا ألّا يفعل شيئا ، وإن كان بتجنّبه القبيح قد فعل شيئا ، وهو تجنّب هذا القبيح ، وقد كان من الممكن أن يفعله . وهذا الفعل - وإن كان سلبيّا - هو حسن في ذاته ، وحسب الإنسان منه أن يكون قد احتفظ بفطرته على السّلامة والبراءة . ولا شكّ أنّ هذه منزلة دون المنزلة الأولى ، منزلة المحسنين العاملين ، حتّى لقد أنكر بعض الحكماء على أهل زمانه أن يكون حظّهم من الإحسان هو ترك القبيح . ( 11 : 554 )